أحمد بن علي القلقشندي
70
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
بقاؤها ، والدّرجة الَّتي يطول إلا على ورثة علمه ارتقاؤها ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الَّذين ذكَّرهم بأيام اللَّه فذكروها ، وبصّرهم بآلاء اللَّه فشكروها ، وعرّفهم بمواقع وحدانيّته فجادلوا بسنّته وأسنّته الذين أنكروها ، صلاة لا تبرح لها الأرض مسجدا ، ولا يزال ذكرها مغيرا في الآفاق ومنجدا ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فإنّه لمّا كانت الخطابة من أشهر شعائر الإسلام ، واظهر شعار ملَّة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ، شرعها اللَّه تعالى لإذكار خلقه بنعمه ، وتحذير عباده من نقمه ، وإعلام بريّته بما أعدّ لمن أطاعه في دار كرامته من أنواع كرمه ، وجعلها من وظائف الأمة العامّة ، ومن قواعد وراثة النّبوّة التامة ؛ يقف المتلبّس بها موقف الإبلاغ عن اللَّه لعباده ، ويقوم النّاهض بفرضها مقام المؤدّي عن رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم - إلى أمّته عن مراد اللَّه ورسوله دون مراده ، ويقيمها في فروض الكفايات على سنن [ سبله ] ( 1 ) ، ويستنزل بها موادّ الرحمة إذا ضنّ الغيث على الأرض بوبله ؛ وكان المسجد الجامع بدمشق المحروسة هو الَّذي سارت بذكره الأمثال ، وقيل هذا من أفراد الدّهر الَّتي وضعت على غير مثال ، قد تعيّن أن نرتاد له بحكم خلوّه من الأئمة من هو مثله فرد الآفاق ، وواحد العصر عند الإطلاق ، وإمام علماء زمانه غير مدافع عن ذلك ، وعلَّامة أئمّة أوانه الَّذي يضيء بنور فتاويه ليل الشّكّ الحالك ، وناصر السّنّة الَّذي تذبّ علومه عنها ، وحاوي ذخائر الفضائل الَّتي تنمي على كثرة إنفاقه على الطَّلبة منها ، وشيخ الدّنيا الَّذي يعقد على فضله بالخناصر ، ورحلة ( 2 ) الأقطار الَّذي غدت نسبته إلى أنواع العلوم زاكية الأحساب طاهرة الأواصر ، وزاهد الوقت الذي زان العلم بالعمل ، وناسك الدّهر الَّذي صان الورع بامتداد الفضائل وقصر الأمل ، والعابد الَّذي أصبح حجّة العارف وقدوة السّالك ، والصّادع بالحقّ الَّذي لا يبالي من أغضب
--> ( 1 ) في الأصل « نبيّه » والتصحيح من الطبعة الأميرية . ( 2 ) الرّحلة : ما يرتحل إليه . وعالم رحلة : يرتحل إليه من الآفاق .